السبت، 28 فبراير، 2009

اعتقال مدون

اعتقال مدون صحافي بسبب عريضة تتضمن اتهامات ضد النيابة في مدينة تطوان
حسن برهون وضع خلال ثلاث سنوات ألفي شريط فيديو في 'يوتيوب' لفضح الفساد (عن القدس العربي)

الثلاثاء، 24 فبراير، 2009

الضوء ( بمناسبة مائوية الشابي)


أذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

مائوية الشابي مناسبة للاحتفاء بهذا الشاعر، بالشاعر و الشعر عموما ولكن لكي لا نتوقف عند تخليد الذكرى، لكي نثبت وفاءنا للشابي، المتمرد الثائر... علينا ان نستمر في ما بدأه الشابي... في الثورة
في الشعر كان الشابي من الذين خلخلوا معايير القصيدة القديمة. كان الصنم (صنم القصيدة التقليدية) حينها قويا ثابتا و حوله الكهان والحرس المقدس، و مع ذلك كانت ضربات مطرق الشابي قوية (الكثير من النصوص "الابداعية"و محاضرة الخيال الشعري خاصة) . صحيح أنها لم تتمكن من هدم الصنم و لكنها خلخلته، ارتج... ولم يعد ممكنا بعدها أن يظل واقفا الى الابد...
في الحياة ، كان الشابي أغنية الثورة و هو اغنيتها الآن..: ارادة الحياة

ولكن كيف نعبر عن ارادة الحياة؟؟؟؟
تعبيرنا عن ارادة الحياة قد يكون قراءة مختلفة لنص من نصوص الشابي ( ان نرى الى تجربته باعتبارها ككل عمل، فيها أمارات فتور و ضعف وتلك أمارات الانساني وشروطه).
الارادة قد تعكسها قراءة نص ما (أي نص) قراءة تنزع الابدال و التغيير.
ارادة الحياة قد تتجلى في كتابة نص ما...نص لا يستكين ولا يخضع... نص بمذاق لاذع...
ارادة الحياة، تعني ببساطة، ان نحب الحياة... ان نحول كل حركة من حركاتنا ، كل عمل من أعمالنا الصغيرة و الرتيبة الى احتفاء بالحياة الى حفل حقيقي... اننا نمتلك الادوات الكافية و الطقس مناسب جدا و الاضواء مشتعلة: اننا هنا على هذه الارض و ندرك الحقيقة.... فلنغير هذا الواقع اذن.



الأحد، 22 فبراير، 2009

أفكار أم حوادث سير؟؟؟

ساعات تبدا تقرا في مقال في مجلة والا تحكي انت واحد. و الا ساعات حتى تبدا قاعد في قهوة وزوز قاعدين في الطاولة اللي بحذاك و يحكو بصوت عالي (باش يسمعوك زعمة؟...) و فجأة ايجيك احساس انك منعت

من الموت بمعجزة (هوكش) ، كأنه تكتبك عمر جديد...

طبعا على خاطر هاك الكلام اللي قريته و الا سمعته يتضمن أفكار ، هي في الحقيقة أقرب للأكسيدونات منها الى أي حاجة أخرى... أفكار توصل للموت و في أفضل الحالات للاعاقة، ترسي للضحية في كرسي متحرك.

طبعا الموت اللي نحكو عليه موش موت فعلي بشرطه و لو انه الامكانية واردة، أما في أغلب الاحيان يكون الموت رمزي... يولي لواحد من بعد ما يتعرض لتأثير هاك الافكار روبوا تسمع تزرييطها من بعيد و الا تكون عكسية الامور يولي موش مستعد يستمر حتى في شي ... وتطير النفحة من الالتزمات بأنواعها و يطيقر وساعات يعمل ردة فعل انتقامية و يمركي بونتو في مرماهGoooooooolllll….

الافكار هذي عادة هي الافكار المتطرفة بأنواعها، هي الافكار اللي بالنسبة للواقعين تحت تأثيرها النص أقدس من الحياة (أي نص يرفع للمنزلة هذي يولي خطر على اللي متبنينه و على غيرهم )

و الناس اللي يكونوا تحت تأثير الافكار هذي هم عادة ناس يخافوا من الخطأ، بالنسبة ليهم الخطأ جرم شنيع و ديما يعطوا انطباع اللي هم ما يغلطوش ( طبعا ها الخوف المرضي من ارتكاب الاخطاء وثيق الصلة بالعبودية، على خاطر العبد فقط اللي كان يخاف لا يكسر صحن وهو يغسل في الماعون متع السيد وكيف يبدا يخدم في الحقل تلقاه راد باله لا يعفس على شجرة مغروسة جديدة ... كيف يغلط العبد، أقرب عبد ليه يمشي يقوّد للسيد و في الحالة هذي ، يشدوا هاك العبيد و يربطوه على شجرة و ياكل على راسه المسكين.... طبعا موش السيد هو اللي يضرب في العادة يكلفوا عبد اخر باش يقوم بها المهمة وهذا علاش العبيد يخافوا من انهم يغلطوا أما الاحرار كيف يغلطوا يقولوا غلطنا... هاو باش نصلحوا...)

نتفكر مرة حطتني الصدفة في نقاش مع واحد من ها النوع قعد يخطب علي ايجي ساعة و نصف و انا نستنى وقاتاش يعطيني فرصة باش نتكلم، وين نقول:" أنا نتصور... و نجي باش نتكلم يقول لي:" لا المسألة هذي محسومة..." وكيف يخليني نقول معاه كليمة يقول: تي هاك متناقض انت... لا المسألة هذي راهي محسومة"

تي شنوة بنادم هو من غير هاك التناقض... بنادم أهش من جناح فراشة، اش ما جاء يشيخه: أي نتصار في اي مكان في العالم...كليمة طيبة.. 4 بيرة... حكاية تفرهد على القلب... 10 الاف تنزاد في الشهرية و الا يلقاها في جيب من جيوب حوايجه بعد ما ينساها... تكويرة عشية السبت... لمّة

و بنادم اش ما جاء يعكرله ميزاجه ويعيفه في الحياة: خليقة أي ديكتاتور يشوفها في التلفزة و الا في الشارع... خبر موت و الا مرض، بقطع النظر على علاقته بالميت و المريض.. كي يشوف ناس تعاني .. حتى كي يشوف شايب و الال عزوز موش منجم يمشي و شاد في الحيط باش ينجم يوقف ... تتخبث خواطره...


نتفكر بيتين لامرئ القيس ـ نتصور يكثفوا بنادم ـ يقول :

ارانا موضوعين لحتم غيب و نسحر بالطعام و بالشراب

عـــــــصافير و ذبان ودود و أجرأ من مجلحة الذئاب

و هذا كلام يصور مدى هشاشة بنادم، ها المخلوق اللي تلقاه أجرأ من فروخ الذيب... خارج يدحس و عينيه مازالوا مغمضين... يلوج على الحياة و هو في الحقيقة حجمه في ها الكون كيف الذبان و الا الدود... اش ما جاء يقضي عليه..

بنادم هش... ياسر هش وما ينجم يكون قوي كان بالاحاسيس والافكار اللي عايش بيهم و اذا ما ردش باله مليح و أصاباته اللوثة متع التطرف ينجم يجي نهار و يقولوا : "مات متأثرا بأفكاره "

الخميس، 12 فبراير، 2009

مع الاسلامويين1

احنا مجموعة متع اساتذة ومعلمين نخدمو في ريف و نتنقلو يوميا. و بما انو عندنا اربعة سنين على ها الحكاية ( الكلهم تعدو زمة) وثمة اشكون عنده اكثر ولت علاقتنا مع الشوفرة متع النقل الريفي علاقة متينة، ولينا نعرفوهم ويعرفونا و نحكولهم ويحكولنا... يخذوا بخاطرنا و يستنونا. و احنا بالمقابل ما نطلعوا كان معاهم..

الصباح احنا يلزمنا نخرجوا قبل بساعة و الا ساعة غير ربع. اذا نخدمو 8 يلزمنا السبعة غير ربع نبدوا في المحطة.. و السبعة غير ربع في الشتاء الدنيا ظلمة دحيسة خاصة كيف يكون الطقس خايب شوية (تسحب السماء و ما تصبش المطر في العادة)

للحد هذا نتصور انكم تنجموا تفهموني كيف نحكيلكم على مختار متع النقل الريفي.

مختار عمره تقريب 35و الا 36 سنة، هكة يظهر و يمكن يكون اصغر، قصير شوية و ضعيف، و مختار من الشوفرة اللي ما تنجمش تحدد مزاجه كيف تخزرله، ما تنجمش تعرف متفرهد و الا متغشش، الحاصيلوا ملامحه ما تجوبش.

نهار من النهارات المظلمين متع الشتاء ، طلعنا مع المختار ، الكرهبة معبية، الكراسي مندين شوية، و الشباك اللي بحذاية يعمل في الحس و يدخل في الهواء البارد والبرد يضرب في العظم مباشرة ، الدنيا مازالت مظلمة و ثمة ضباب ... اول ما خرجنا من (مناطق العمران) حل مختار المسجلة متع الكرهبة. حلنا "عذاب القبر" و قو في الصوت و بدا هاك الراجل يبكي و يتضجر و يتوعد ... تو الدنيا مظلمة و الكراسي مندين و عذاب القبر يشرقع ، و مختار يجري يمكن في 120كلم/س و الا اكثر، يعني تحس بروحك على نعش ومتوجه طول للاخرة....

انا الحق فديت و ما نجمتش نصبر:

ـ سكر علينا المنوحة و نقص شوية يا مختار، شبيك حليتنا عذاب القبر على الصباح، ناقصين نكد، ما عمار قايم بالواجب ( مختار ما ينجمش يعرف أنو عمار نقصد)

و على كلمة منوحة يعملي مختار ندابة:

ـ منوحة... تي هذاكة ختم القرآن موش عذاب القبر... و خزرلي المختار خزرة حسيتها معبية بالازدراء و فيها نوع غريب متع تهكم، حسيت مختار يحب يقولي: ( لاعبها قاري و تقري في الصغار .... اش قروك مالا كي ما تعرفش دعاء ختم القرآن) و أنا بالرغم الي متأكد انو عذاب القبر كنت باش نجاوب المختار ببرودة دم :( الحق احنا ما قروناش عليها الحكاية هذي في الجامعة، يمكنش يقروها للجماعة اللي يكملوا قرايتهم بعد المتريز...)

مختار خزرلي و سكت و انا شديت فيه الباس باش يسكر علينا المنوحة... و تكلم معلم قاعد من تالي و قال للمختار : نقص ياخويا راك ماكش هاز الثلج... سايسنا يعيشك

وعلى كلمة ثلج نشيخ أنا ضحك. أنا الحق تفكرت واحد من أصحابي حكالي نكتة على واحد، قال أول ما شروا فريجيدار، من الفرحة عمل كسكروت بالثلج...

المخ ما عجبتاش الحكاية و بدا يقحرلي على جنب... وما ذبيه كان ماعدادش نطلع معاه اصل

تو انا مشكلتي ميش مع المختار، أنا نعرف اللي المخ يروح تاعب، يمكن يبدل حوايجه و يمكن لا، يتعشى و يتمشى و يحل التلفزة ، ومما لا شك فيه اللي مختار يتفرج على الشيوخ و يبدا يصلي على النبي و على دين والدين الثقافة و العلم اللي معبين بيه الشيوخ رؤوسهم ...

و نعرف اللي المختار ينجم يتبدل180 درجة لوكان يبدل الشان اللي يتفرج عليهم...

ثمة الآف المخاتير اللي نجموا ننقذوهم من عذاب القبر اللي عايشين فيه لوكان نوسعوا بالنا معاهم شوية، و من غير ما نصدموهم نبينولهم اللي العقل هو اللي يميز بنادم على الهوايش الاخرين و اللي بنادم هو الهايشة الوحيدة اللي تفكر و تتكلم و بما انها تفكر وتتكلم يلزمها تشك في الكلام اللي قالوه الهوايش اللي يفكروا و يتكلموا الاخرين، على خاطر ما ثمة حتى فرق بين هايشة تفكر و تتكلم و هايشة اخرى تفكر و تتكلم...

هيا قول وصلنا وخدم الواحد و خرج وقف على الكياس باش يعمل ستوب .كيف يكمل الخدمة تلقاه الواحد خواطرة مدرهة من التعب ويبدا تكلم في القسم 6 سوايع ،و شاح ريقه كما ينبغي... معناها مذا بيه يروح ساكت، النفس لا، أما الضريبة اللي يدفعها هي انو ساعات يدبر ستوب ، وكيف يجبدلك السيد اللي حبسلك الهدرة يلزم تتفاعل معاه شوية، موش معقول باش تطلع في كرهبته و كيف يكلمك تقلو: تعمل مزية سكر علي فمك راني تاعب...

المهم: نهارتها من سوء حظي ، طلعت مع سيد أعظم من مختار متع النقل الريفي،

السلام عليكم، عليكم السلام، قالي : تخدم هنا ؟ ( تو أنا واقف قدام الليسي نعمل في استوب و في ايدي كرتابل، زعمة نطلع نخدم في الستاغ...)

أيه نخدم هنا ، قلت.

-أستاذ؟

اييه قلت،

قال : رجل تعليم معناها؟

( اينعمبو ها النهار الكلب قلت في قلبي) خزرتله و تبسمت.

سكت شوية وجبدلي الهدرة على الجفاف: يخزر من شباك الكرهبة و يقول: الكل من أعمالهم، باش يقتلهم القحط.

(برة قلت نسكت خير، انا ريقي شايح خلقي وهو يظهرلي فيه يحب يحكي برشة ـ على حساب السيد الرب اللي يحكي عليه شمايتي، متشمت في الناس اللي خلقهم. تي الواحد هاو انسان لا زاد لا نقص و ما ينجميش يتشمت في تلميذ بليد ركيك...)

هيا دورت وجهي للشباك و قلت خليني نعمل روحي باش نرقد من التعب، أما السيد ما حبش يفك، قالي:

بربي تو انت استاذ و قاري، باش نسألك: الموسيقى حرام والا حلال

أنا الحق لعبت علي الدوخة... حسيت ايد كبيرة و كاسحة و ناتنة عطتني صرفاق و اختفت...حدود العالم تتقلص و تتمدد في كل دقيقة كيف الاكورديون و احنا نحكو على الموسيقى حلال و الا حرام .... ونسخايلو الجنة برديل... ملا وكسة
لا ، قلت، ماهوش صحيح، ماهيش حرام الموسيقى ... نضروش حد كيف نعزفوا و الا نسمعوا الموسيقى ،
قال لا
قلت : مالا وين المشكلة...
سكت شوية و قال هاو الشيخ... ( سمالي نومرو انسيت اسمه) قال ندرا اشكون قال في كل مزمار شيطان..
انا بدت تطلعلي الكلبة بنت الكلب، قلت:مالا على الحساب هذا الارغن مثلا مجمع متع شياطين، معسكر كامل...
ـ راهم الشيوخ و العلماء يعرفوا اش يقولوا، راهو موش من فراغ يتكلموا، لا انت و لا أنا نجموا نوصلوا الى مستواهم.قال
ـ لا ، قلت، انا خير منهم الشيوخ اللي تحكي عليهم...
و يستلبس الراجل فرد دقة... يمكن مخه تحرق فرد مرة... حسيته شعل من داخل، و الله فرحت، وقلت خليني نكمل عليه اليوم، خلي يحلف ما عادش يحبس استوب حتى ل حد،
قتله: هذوكم ما يعرفوا شي راهم...
خرفففففففففففففف قال.تو بربي كيفاش ما يعرفوا شي و يعدوهم في التلفزة؟؟؟
قلت: تي هام يعدوا في اشرطة وثائقية على البهايم في التلفزة و على الجران و البوكشاش... معناها يعرفوا، ثم انو بلعكس ما دام تعدى في التلفزة معناها ما يعرفش في أغلب الاحيان...
الحاصيلو شخت عليه، بالدم البارد و نلقى روحي ما عندي علاش نغشش في روحي
أما الواحد كيف يفكر في الحالة اللي وصلنالها، في مختار و السيد اللي حكيتلكم عليه.... يخاف، ما يخافش على ها الجماعة هذوما اللي ماشين ، أما يخاف على الجايين
طبعا جزء كبير من المسؤولية على ها المد الظلامي الغريب ، نتحملوه أحنا . أحنا المسؤولين ، على خاطر احنا الي خلينا الفراغ يتوجد و اذا توجد فراغ يلزم تعبيه حاجة... احنا اللي بقينا نتفرجوا على تلامذتنا، تأطر فيهم الرحمة و الرسالة و الزيتونة.... ومن بعد نقولوا، شبيهم ولوا هكة؟
احنا اللي نحسوا في الانهيار و التردي و نلمسوا فيه كل يوم و باقين نخزروا....

الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

الفراشة


-كان دائما يعتذر عن الالتقاء بالآخرين هامسا:

امرأة من الجن في ضيافتي.

(أدونيس)

أثارت هذه الأسطر المكتوبة، بعناية فائقة و بخطّ جميل، على باب غرفته، دهشتها و رغبتها عندما زارت منزله للمرة الأولى.

أبدت حيرتها: مهووس بأدونيس إلى هذا الحد!؟

اخبرها أنها مجرد "تميمة" تبعد بقية سكان المنزل عن غرفته و تجنبه إزعاجهم...

كانت أعماقه ترحب بها في فخه، كان يعلم أنّ كلمة" تميمة" ستفتح منفذا على العجائب والأساطير... لقد نثر الحب حول الفخ بكرم هذه المرة: داخل الغرفة كانت الكتب التي لم يقرأها مبعثرة على الأرضية، حول سريره. الجذاذات الملصقة على الجدران بلا نظام: الجدران كتاب مزق وشذرات بلغات عديدة و صورة واحدة (وجه امرأة في نصف التفاتة).

كان يثق بفضول ضيفته. وتخيل حوارا قصيرا يليق بها، ستسأل:

- من هي ... الوحيدة!؟

- أنا لا اعرفها، سيقول.

- لماذا تعلق صورة امرأة لا تعرف من تكون؟

- لأنها جميلة. هذا سبب كاف!

وحتما لن يضيف" مثلك". سيخرب كل شيء لو انه قال: «جميلة مثلك».

سيحدثها عن نساء "رنوار": عن نسائه العاريات، . و لن يقدم لها القهوة، سيترك لها الوقت الكافي، قبل ذلك، لتستمتع بذلك الخدر اللذيذ الذي تحدثه الكلمات... سيبدأ أولا بترتيب المكان معتذرا، سيفتعل الارتباك، ولن يمنعها من مساعدته، وستنتقل هي بين كتبه المبعثرة و سريره و الطاولة الصغيرة في ركن الغرفة، ستكون تلك اللحظة ملائمة جدا ليبدأ الخلق: سيهبها اسما، وسيمتلكها إذ يسميها: « تتحركين بخفة مذهلة... انك ترقصين، أليس كذلك!؟ سأسميّك الفراشة إذن!» .

حتى إذا تحركت بثقل فسيسميها الفراشة، سيجد الكلام المناسب الذي يهيئ لهذا الاسم و يشرّع منحه لها... ! انه سر الأسرار، باب الدخول إلى الأبدية ،هكذا فكر وهكذا كان يفكر دائما... كان يسمي الكلمات " القطط الصغيرة المدللة" و"لحظات الإشراق" و" الأجنحة".

لن تخذله الكلمات أبدا، انه يعرف كيف يحوّلها إلى كسل صباحي برفقة امرأة جميلة.

دخلا الغرفة، اتجه نحو الشباك ليفتحه معتذرا عن الفوضى التي تعمّ المكان. باغته سؤالها:

ـ هل تثق بتلك التميمة حقا؟

- طبعا.

- لا تفتح الشباك إذن!

التفت إليها، توقع أن يراها تتأمل جدران غرفته، توقع ان تكون شاردة... و لكنها كانت قد قفزت فوق كل الحبّ المنثور: كانت شبه عارية: كان يكفي أن تفتح ثلاثة أزرار فقط لتدرك البرزخ.

كم استغرق من وقت عند النافذة؟

لحظة؟

لحظة واحدة اضطر بعدها لتسليم مفاتيح الحكاية الى الأبد.

لاحظت ارتباكه و سألت:

- ألم تقل انك تثق بتلك التميمة... ؟

- طبعا ، لكن، لا أدري ، تعلمين قد يصل أحد رفاقي ... !

كان يعلم أنها إجابة مرتبكة، لكنه كان يريد لحظة أخرى، لحظة سلام ليعيد ترتيب كلماته، ليتذكر كلمات خذلته فجأة و لكنها كانت قد غادرت... تركت باب الغرفة مفتوحا، سمع اصطفاق باب المنزل الخارجي، وخيل إليه انه يسمع اصطفاق باب الحديقة ثم وقع خطاها على بعد شارعين.

الأحد، 1 فبراير، 2009

الأزمنة الحديثة و ظهور الخطاب البياني



1ـ حول الأزمنة الحديثة

1 -1 واقع الحداثة

ليس من غايات هذا البحث استقصاء التعريفات الكثيرة المقترحة لـ"الحداثة"، وعـرضها ومناقشاتها. فقد استعمل مصطلح " الحداثة " وشبكة المصطلحات المتعلّقة به ("التحــديث"، " الحـديث"، "المعاصر"، "ما بـعد الحداثة") ويستــعمل بأوجه مختلفة ومـتنوعة ومـتناقضة أحيانا1. ولـيس ذلك عـيبا في الاسـتعمال أو المستعملين، بل« هو نتيجة اختلاط عـضوي عــريق وشـائع يـضرب أطنابه في معظم المعاجم الأوروبية التي كـانت ـ وما تزال ـ الحاضنة اللغوية لهذه التوصيفات»2. ومن الملاحظ أن دلالات هذه المصطلحات، لا تطرح إشكاليات التحقيب فقط، فقد حولها الاسـتعمال ـ وبـقصد واضح في اغـلب الأحيان ـ إلى معايير قـيمة وكـيفية.

ومن الأنسب، إذن، أن نـترك التعريفات جانبا لنلتفت إلى تأمّل الواقع الذي اقترحت كلمة "الحداثة" لتوصيفه:

بعد اكتشاف أمريكا والطريق البحري إلى الهند، في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، وبدافع من هذا الاكتشاف، ونتيجة له، بلغت قوى الإنتاج في أوروبا ( العنصر البشري والتقنيات التي يؤثر بها في الطبيعة وما يملكه من مـعرفة ومـهارات خاصة وتجارب و تقاليد مهنية ) درجة مـن التطور أصبح مـعها استمرار عـلاقات الإنتاج ( تقسيم العمل وشروط التبادل وتوزيع المنتجات...) الإقطاعية المهيمنة عامل جذب إلى الوراء وحاجزا أمام التطور. وقد أدى التناقض بين قـوى الإنتاج وعـلاقات الإنتاج إلى إبدال شامل كانت له إرهاصاته الواضحة والبـارزة، مثل ظهور حركات الإصلاح الــدينية (البروتستانتية ) التي كانت مبادئ القس"مارتن لوثر"( ت 1546 ) فاتحتها. فقد انتقد مفاسد الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وندد ببيع البابا صكوك الغفران لجمع المال، وهوـ حسبه ـ السبب في تراكم ثروة الكنيسة المادية وفقرها الروحي. كما أعلن رفضه لمفهوم الحساب والعقاب السائد. وبعد قرن ونصف من الحروب الدينية، تقلصت سلطة الكنيسة التي كـانت تُـخضع الـعلم والفن والأخلاق لسيطرتها، وتمارس هيمنة سياسية فعلية على كامل أوروبا وتراجع تأثيرها في الحياة العامة.

كما كانت الثورة الإنجليزية (1640-1660)3 ثم الثورة الفرنسية (1789)4 تعبيرات اجتماعية وسياسية عن ذلك التناقض الذي كان يحتاج إلى حل. وهي المـهمة التي تـكفّلت بها الـبرجوازية فقد « وضعت حدا لكافة علاقات الإنتاج الإقطاعية والبطر كية والرعوية، وقضت دون هوادة على الروابط الإقطاعية المزركشة، التي كانت تشد الإنسان إلى سادته الطبيعيين»5. فتراجع الدور الأيديولوجي الذي كان يلعبه الدين لصالح الشأن السياسي، وانهارت المملكة لتحل محلها الجمهورية، وقضي على المراتب الاجتماعية المتوارثة، ليتحول مقدار الثروة إلى محدد رئيس للمرتبة الاجتماعية. فأصبح التطور المستمر، كٌما ونوعا، بدافع المزاحمة وبغرض الربح، قاعدة الحقبة الجديدة (الرأسمالية).

والتطور المستمر هو حصيلة المراقبة والمراجعة المستمرة لأساليب وكيفيّات الإنتاج، بغرض خفض تكلفة السلع وتطوير نوعيتها، من أجل تحقيق أعلى نسب من الربح. وليس النقد المستمر، الذي أصبح يشكل مكونا من مكونات النظر إلى الذات والمنجز في الفكر الغربي، منذ عصر الأنوار، إلا الوجه الآخر أو المعادل الثقافي، للمراقبة المستمرة للسلع في عملية الإنتاج المادي.

1 - 2 نشوء مفهوم الحداثة

« لقد بدأ تعبير الحديث (moderne)مرادفا ـ بدرجة تزيد أو تنقص ـ لتعبير"الآن " أواخر القرن السادس عشر... وفي القرن التاسع عشر (بعد أن رسٌخت البرجوازية أقدامها) أصبح التعبير يأخذ مسحة ما هو مرغوب و تقدٌمي إلى حد بعيد»6 ويعني تلك الإرادة الاستفزازية المتمثلة في حب العصر والاحتفال به، في تنظيرات جيرار دي نرفال (G. De Nerval) و شارل بودلير (CH. Beaudlaire)7.

وهكذا انتقل تعبير الحديث من الدلالة على حقبة زمنية(الحديث مقابل القديم) إلى حكم قيمة، حيث أصبحت صفة "الحديث" تعني منجز تلك الحقبة أو ما تمّ تأسيسه على أنقاض الحقبة البائدة.

هذا التحوّل كان نتيجة تقدير مبالغ فيه لما أنجزته البرجوازية، عندما كانت طبقة اجتماعية ثورية، تقود المعركة الاقتصادية والسياسية والثقافية ضد الإقطاع. وهو تقدير تكرّس في الثقافة الغربية واستمر حتى ستينيات القرن الماضي، لينطلق العمل بآليات الحداثة ذاتها، ولكن ضدها هذه المرة ـ كما يبدو ـ ومن اجل تفكيكها وقهر مركزيتها، وتحت تأثير مصطلح جديد:"ما بعد الحداثة (Post moderne).

لكن ما يبدو ليس هو الحقيقة، فالمشروع "الما بعد حداثي"(post moderniste ) في عمقه مشروع "لا ـ أدري" اقتضته الحاجة لإمتصاص أزمات الحداثة.

1-3 نشوء ظاهرة النصوص البيانية

يشكل مبدأ المزاحمة الحرة أساس المجتمع الرأسمالي، هذا المجتمع الجديد الذي أدت الثورة البرجوازية إلى ظهوره. وقد ترتب عن هذا المبدأ تبدل نمط الاستغلال، حيث أصبح يقوم على القسر الاقتصادي، وغلّف طغيان السلطة السياسية، بالديمقراطية البرجوازية وهي في جوهرها آلية تعويض: فقد مُنحت الطبقات المستغلة الحق في "التعبير" عوضا عن حقها في الخيرات المادية والثروة . وبعد أن كان هذا الحق حكرا على الملك أو النبلاء ومن يمثلهم في المجتمع الإقطاعي، أوهمت البرجوازية بأنها قد وزعته بشكل عادل بين جميع الفئات والشرائح الاجتماعية. وقد ساهم تطور قوى الإنتاج وخاصة ما يتعلق بمؤسسات ووسائط ووسائل التواصل في ترسيخ هذا الوهم. من هنا كانت قاعدة "حق الجميع في الحضور" أساس مناخ ملائم لظهور الأحزاب السياسية والحركات والتوجّهات الأدبية والفنية. والوسيلة المثلى لإعلان هذا الحضور هي إصدار بيان، ذلك أن إصدار بيان في حد ذاته حدث يوفر قدرا من الإحساس بممارسة السلطة (حدث تعويضي).

2- النصوص البيانية

2 ـ1 الرومانسية* ونصوصها البيانية ( الرومانسية الفرنسية نموذجا):

2 -1-1 كانت فاتحة القرن التاسع عشر، التي شغلت عقوده الثلاثة الأولى، مشهد صراع عنيف بين الجمالية الكلاسيكية والجمالية الرومانسية. أس الأولى المبادئ والأساليب الإغريقية والرومانية، و القواعد النقدية التي وضعها أرسطو، وما إنضاف إليها بمحاولات إحيائها إبان عصر النهضة*. وأسُّ الثانية « النقد الموجه نحو غزو المؤسسات الضابطة للمجتمع وعلائقه وإنتاجه واعتقاده»8**.

ولكي يفهم خروج الرومانسيين عن القواعد الأدبية والجمالية للذوق الكلاسيكي أو المؤسسة الكلاسيكية فهما مناسبا، و لكي لا يعتبر مجرد عمل شكلي، فارغ من المعنى، ولكي لا يفسّر بمحدودية الموهبة أو عدم القدرة على إنتاج أعمال ملتزمة بالمعايير الكلاسيكية، "الكاملة والمطلقة"، كان لابد من نصوص موازية للعمل الإبداعي، وظيفتها توضيح معالم المشروع الرومانسي والتأكيد على جدته وفرادته وعمقه التـأسيسي، من ناحية، وإبراز تهافت أطروحات الكلاسيكيين، وعدم ملاءمتها " لروح العصر"، من ناحية ثانية.

بهذا تحقق طابع النصوص البيانية السجالي والتعليمي في نفس الوقت. و بهذا يفسّر توقها إلى التداول وطبيعتها النفعية وعلاقتها الإلزامية بمرسليها.

وتعتبر المقدمات التي وضعها "فكتور هيجو"((V. Hugo الشاعر والناثر والمؤلف المسرحي، وبعض أعماله، أهم سلسلة نصوص بيانية حول الرومانسية الفرنسية.

2-1-2 مقدمات" هيجو"

أرفق هيجو أشعاره الموسومة بـ"الغنائيات" في الطبعة الاصلية (Odes)أو "غنائيات وموشحات" (Odes et ballades) في الطبعات الموالية بمقدمات مختلفة، كانت تعتبر خطوات متتالية في التنظير للرومانسية: فلقد أكدت مقدمة طبعة1822 ضرورة التوافق بين عمق الكائن الفرد، والقفزة الفجائيةsoubresaut)) النوعية، التي يقوم بها المجتمع. أما مقدمة سنة1824 فقد خصصها للدفاع عن حقوق الخطاب الشعري اللامحدودة والتي لا يمحوها الزمن، إذ لا وجود ـ حسب هيجو ـ لمناطق ممنوعة أو مواضيع محرمة على الشعر. وطرحت مقدمة 1826 إشكالية وظيفة الشاعر في ضوء التناقض الحاد بين "الشعر النضالي "الملتزم بقضايا اجتماعية أو سياسية معينة، و"الشعر الخالص".

أما مقدمة "كرومويل" ( Cromwelle)1827 فقد حظيت باهتمام لم يحظ به العمل ذاته، إذ حولته إلى مجرد ذريعة يستند إليها حضور نص المقدمة. وقد ربطت مقدمة كرومويل بين الفن والتاريخ. وأكدت إمكانية تقهقر البشاعة والصلف الظاهرين اللذين ميزا الأزمنة الحديثة. ودعت إلى إقحام الطبيعة كلها في الفن. و إلى تجديد الأجناس الأدبية: التراجيديا والكوميديا خاصة. و ألحت على ضرورة توافق أو تصالح الشعر والحقيقة.

كما مثل العمل المسرحي الموسوم بـ"هرناني (Hernani) 1830، ومنذ عرضه الأول، بيانا يزدري الذوق والجمهور الكلاسيكيين. و تتالت بعده النصوص البيانية في صيغة، مقدمات مثل: مقدمة أوراق الخريف، ) feuilles d automne)1831، ومقدمة الأصوات الداخلية (les voix intérieures)ومقدمة الأشعة والظلال (les rayons et les ombres) 1840 وغيرها9.

ورغم الأهمية الخاصة التي ميزت مساهمة " فكتور هيجو" في صياغة مشروع الرومانسية الفرنسية

فانه لم ينفرد بهذا العمل، فقد كان إلى جانبه كل من "ألفريد دي موسيي"(de Musset) و"ألفونس دي فيني" (de Vigny) وغيرهما. وإن كانت مساهمتهما بدرجة أقل10.

 2 -1- 3 إن هدف النصوص البيانية التي أصدرتها الرومانسية الفرنسية (والإنجليزية والألمانية) هو هدم استعلاء الذوق الأرستقراطي (الكلاسيكي) وتأكيد حضور ذوق جديد، ورؤية جمالية جديدة، يختزلها الموقف من الموروث اليوناني والروماني القديم ـ الذي كان إلى حد ما مقدسا ـ وهو موقف ينبني على البحث عن المحجوب في ذلك القديم والعمل على إتمام نقائصه، بهدف القبض على "المطلق الأدبي" أو ما لم يقل وما لم يصل إليه نص بعد11.

كما شكّلت،هذه النصوص، أسا ونموذجا، لكمّ هائل من النصوص البيانية التي أطلقت باسم حساسيات وحركات فنية و أدبية،انسلخت عن الرومانسية أو عارضتها، وقد تفاقم تناسل هذه الحركات، حتى أصبح، مع بداية القرن العشرين، سمة جوهرية من سمات أدب وفن الحداثة، وملمحا مميزا من ملامح أزمنة الحداثة عموما.

2-2 بيانات ما بعد الرومانسية

يتعذّر تحديد الحركات الأدبية والفنية التي عرفتها أوروبا، والعالم الغربي عموما، تحديدا زمنيا دقيقا. ومن العسير ضبط حدود فاصلة بين معايير ومبادئ هذه الحركة أو تلك، أو تعيين مجال ولادة هذا التوجّه أو ذاك. فقد تكونت الرمزية، مثلا، في رحم الرومانسية، ثم أعلن بيان الشاعر جان مورياس المنشور بصحيفة" الفيجارو" الفرنسية بتاريخ 18 سبتمبر 1886 ميلاد هذه الحركة12. ومهدت الرمزية بدورها لظهور المستقبلية، وهي الحركة التي صاغ الشاعر الإيطالي فيليبو مارينتي (Marinetti) بيانها الرسمي، وقد صدر في صحيفة "الفيجارو" في شهر فيفري 131909. وللـرمزية والمستقبلية تأثيرات بارزة في السريالية، التي أعلن ظهورها أندري بروتون (Breton) عبر سلسلة البيانات(بيانات السريالية) التي أصدرها، تباعا، منذ سنة 141924. رغم أن إرهاصات السريالية تعود إلى الشاعر أبو لينار (Apollinaire) الذي أطلق مصطلح السريالية ليصف مسرحيته(Mamelles de Tirésias)  مؤكدا قطعها مع مبادئ الواقعية. وللسريالية صلات وثيقة بـالدادائية والتكعيبية و غيرهما من مدارس وحركات الفن الحديث.

والملاحظ، أن مبادئ هذه التوجّهات والحركات عامة ومرنة جدا، على نحو سمح بانتقالها أو هجرتها من مجال فني إلى آخر، من الشعر أو الرواية إلى الرسم والنحت والعمارة... ومن الرسم إلى المسرح والموسيقى أو الشعر...و لا يعنينا، هنا، استعراض تاريخ هذه الحركات أو تفصيل القول في الأسس التي قامت عليها أو بحث أساليبها وتقنياتها، بل حضورها الفاعل في المجال الثقافي الغربي ودلالات هذا الحضور*.

وقد تجلى وعي هذه الحركات بنفسها، أساسا، في إصدار النصوص البيانية، الوسيلة الرئيسية التي أعلنت بواسطتها عن تمايزها واختلافها عن السائد والمكرس، ورفضها، بل وازدرائها له، فقد عبرت، كل حركة من تلك الحركات، عن نيتها في تقويض ذلك السائد واستبداله ببرنامجها الخاص.« لذلك يبدو برنامج البيان جماليا وفلسفيا وسياسيا، في نفس الوقت»15. ولذلك يرد البيان، عادة، « في صيغة الخطاب التعليمي الشامل، مؤسس القناعات، وموزع "النقاء" و "المذهب"»16.

ويكشف هذا الخطاب، الرغبة الجامحة في الانفصال الجذري عن المعايير والقيم المستقرة والطموح إلى تأسيس مشروعية ذاتية، مستمد من الحضور ذاته. ذلك أن النص البياني يستمد مشروعيته من سياقه المشروط بنزوعه إلى الإبدال، ومن حضوره المشروط بالتفرد، ليحقق الفاعلية والتأثير المطلوبين، ثم يوسع هذه المشروعية لتشمل وجود الحركة التي أطلقته ( أدبيا واجتماعيا).

3 - النصوص البيانية بيان حداثة

لعله من الوجيه أن نعود، الآن، إلى مصطلح "الأزمنة الحديثة"، وتحديدا إلى الاستعمال الهيجلي لهذا المصطلح، فهيجل (Hegel) ـ حسب "هابر ماس"ـ هو أول فيلسوف طور على نحو واضح مفهوما محددا للحداثة، فقد كان استعماله لمصطلح "الأزمنة الجديدة" و"الأزمنة الحديثة" استعمالا خاصا، يتجاوز الدلالات الزمنية في استعمال المؤرخين17.

يقو ل هيجل: « ليس من الصعب ملاحظة أن زماننا هو زمن الولادة والانتقال إلى مرحلة جديدة،

فالروح انفصلت عما كان يسمى بالعالم إلى حد الآن، أي وجوده وتمثّله، وهي على وشك أن تبتلع كل هذهالأشياء، وهي في سياق الاشتغال على مفهومها»18. و يلاحظ "هابرماس" أن المبدأ المؤسس للأزمنة الحديثة، عند هيجل، هو مبدأ الذاتية (subjectivité) ويتضمن أربعة مفاهيم أساسية:

ـ الفردانية: ففي التفرد والتمايز والاستقلالية، تكمن مشروعية الادعاءات.

ـ الحق في النقد:إنتاجا وتقبلا، وقد وقعت الإشارة في بداية هذا الفصل لارتباطه بمبدأ المزاحمة الحرة، وما ترتب عنه من مراجعة مستمرة ومتابعة متواصلة لطرق ووسائل الإنتاج

ـ استقلالية الفعل.

ـ الفلسفة المثالية: فالفلسفة التي تمسك بالفكرة التي لها وعي بذاتها هي نتاج الأزمنة الحديثة19 .

والمفهوم الأخير، و يكثفه متصور" الروح المطلق" في الفلسفة الهيغلية، يزيح الشروط التي جعلت الحداثة تعي ذاتها، يغلق النسق الهيجلي.

وتكفي الآن مقارنة بسيطة بين منطق حضور النص البياني في الثقافة الغربية ودلالات هذا الحضور، والمفاهيم الهيجلية المحددة للأزمنة الحديثة، لنرى كم هي متطابقة :

ـ الاستناد إلى استقلالية تامة، مزعومة، بهدف الحصول على مشروعية تضمن رواج الادعاءات.

ـ البراغماتية.

ـ إدعاء الشمولية والصدور عن نزعة توسعية ونفس استبدادي.

ـ التّأَسُسُ على مفارقات تكوينية: الأزمات.

وبالاستناد إلى ما تقدم، يمكن القول، أن النصوص البيانية ليست سمة بارزة من سمات الحداثة أو نتيجة حتمية لها، بل هي صورتها منعكسة في ممارسة خطابية مخصوصة. ولا يعني الانعكاس هنا علاقة سلبية بين واقع الحداثة والنصوص البيانية التي تعكسه. فلهذه النصوص، وسواء كانت أدبية أو سياسية، تأثيرات فعلية قد تبلغ حد العصف بواقع الحداثة وتفضي إلى تجاوز حدوده. و لعل أكثر الأمثلة وضوحا وتعبيرا عن قدرة النص البياني على التأثير في الواقع عمليا، ما حققته الثورة البلشفية في الاتحاد السوفياتي سابقا، بما هي محاولة لتنفيذ برنامج البيان الشيوعي.

لعل ما تقدم، يؤكد ارتباط البيان ـ باعتباره نمطا مخصوصا من أنماط الخطاب ـ بسياق تاريخي وثقافي، أبرز سماته التوجّه إلى الإبدال والتحويل. وأن هذا السياق الذي تحكم في تشكيل مقومات الخطاب البياني، هو أهم شروط حضوره، سواء تعلق بالواقع السياسي أو الثقافي، وسواء أمضي من قبل حزب سياسي أو حركة أدبية... فهل يتوفر هذا الشرط للحديث عن خطاب بياني عربي؟

الإجابة عن السؤال الأخير، وتفريعاته الممكنة، ثم اختبار تلك الإجابات، هي ما سيحاوله، هذا البحث، في أبوابه التالية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ.

1 - يشير عبد السلام المسدي إلى ان " الحداثة" عندنا مفهوم يوظف عند الاستخدام توظيفا يحمله المعنى و ضده، فيغدو مطية لمحامل دلالية متدرجة: يؤخذ مأخذ اللفظ المشتركـ. و يعامل معاملة المصطلح الفني. ثم يتخذ دالا على مقولة ذهنية. و لكنه يساق مساق الشعار لقصد دعائي أو في لبوس ثوري. و قد يستخدم استخدام الألفاظ الملبسة لغرض الإبهام. و يجتلب في سياق الترميز بقصد الإلغاز. و لا يندر أن يكون استعماله محمولا على الحكم المعياري عند القدح في ما ليس حداثة. ( النقد و الحداثة ، دار الطليعة ، بيروت، ط 1، ديسمبر1983)

2 - صبحي حديدي،الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة:ماذا في" الما بعد" من قبل و من بعد؟، الكرمل، ع 51، ربيع1997، ص52.

*- بحسب بعض المؤرخين، يمتد عصر النهضة الأوروبية من أوائل القرن الرابع عشر إلى أواخر القرن السادس عشر، وقد تعززت في هذه الفترة العناية بالمؤلفات الكلاسيكية تحقيقا وشرحا، مما دفع حركة الترجمة(ترجمت أثار يونانية كثيرة عن العربية )، وتزايد الاحترام للفنون والآداب. وكان النظر بشغف إلى الماضي الذي بلغ فيه الفكر الإنساني ذروته ـ حسب اعتقاد مثقفي النهضة ـ سببا بارزا من أسباب ظهور حركة ثقافية عرفت بـ"الإنسانية"، أساسها الأيمان بقدرة الإنسان على الخلق والإبداع، ما يؤهله للتفكير بنفسه في شؤون حياته. وكانت "يوتوبيا "السير توماس مور(1516) احد أهم المؤلفات التي عبرت عن التوجّه الإنساني، وهي مخطط للجمهورية المثلى، التي تقتضي أقامتها ـ حسب مور" تعليم الرجال والنساء على حد السواء، والتسامح الديني. وهي الدعوات التي أطلقها رواد النهضة العربية أواخر القرن التاسع عشر، ومازال الجدل حول بعضها (تعليم المرأة ) لم يحسم بعد، في أقطار عربية كثيرة.

8- محمد بنيس:الشعر العربي الحديث، بنياته و إبدالاتها، الرومانسية العربية، ط2، 2001، دار توبقال، الدار البيضاء، ص20.

** يؤكد بنيس (الشعر العربي الحديث،الرومانسية العربية، ص ـ ص9ـ25) أن مركز الرومانسية الأوروبية هو ألمانيا، وتحديدا مدينة

ييناIéna  التي ظهرت بها مجموعة تحمل هذا الاسم، وان مركز النظرية الرومانسية هو مجلة الاتنيوم(Athénium)  التي أسستها الجماعة، والتي لم يعرفها الفرنسيون إلا بعد ترجمة نصوص المجلة وصدورها سنة 1978. 9- . (les manifestes). P 1390/1392Dictionnaire des littératures de la langue française J-P. de Beaumarchais et autres .bordas .paris.1984 française. (les manifestes) , idem -10 -

11 ـ محمد بنيس:الشعر العربي الحديث، بنياته و إبدالاتها، الرومانسية العربية، ص

12 ـ معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مادة الرمزية ص- ص181-182.

13 ـ ميشال سليمان،المستقبلية، جذور الحداثة الشعرية، كتابات معاصرة، ج4، ع 13، فيفري/مارس1992.

14 ـépreuve de la nomination dans le premier manifeste de surréalisme. P 47, littérature n° 39. Nicole Boulestreau,

1980

* ـ يقول ريموند وليامز، تعليقا على حضور هذه الحركات في المجال الثقافي والاجتماعي الأوروبي (طرائق الحداثة): «نستطيع أن نميز ثلاث مراحل رئيسية كانت تتطور بسرعة اواخر القرن التاسع عشر. في البدء كان ثمة جماعات مجددة تعمل على حماية ممارساتها داخل السيطرة المتنامية لسوق الفن، وضد لا مبالاة الأكاديميات الرسمية. و قد تطورت هذه إلى بديل، تمثل في تجمعات أكثر راديكالية من حيث التجديد، تعمل على توفير التسهيلات اللازمة لإنتاجهم وتوزيعه وإشاعته. وأخيرا، تحولت إلى تكوينات معارضة تماما، مصممة، ليس فقط على تنمية إنتاجها ، بل كذلك، مهاجمة أعدائها في المؤسسات الثقافية، ومن ورائهم كل النظام الاجتماعي الذي حاز أعدائهم السلطة فيه، وراحوا يمارسونها ويعيدون إنتاجها. ومن ثم، أصبح الدفاع عن لون خاص من الفن يعني ـ في المقام الأول ـ إدارة ذاتية أو استقلالا لنوع جديد من الفن، ثم هجوما ـ على نحو حاسم ـ باسم هذا الفن على نظام ثقافي واجتماعي شامل .»

15 ـ Abastado, ibid. p6

16ـ Jean-marie Gleize, manifestes¸préfaces¸sur quelques aspects du perspectif, Littérature N°39, P14

17 - محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة ، ص125

18- محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة ، ص 125.

19- نفسه، ص127.

ملاحظة: المقال مقتطف من بحث قدمته لنيل شهادة الدراسات المعمقة 2005 بعنوان : النصوص البيانية في الشعر العربي الحديث