الجمعة، 10 يونيو، 2011

ضد الرداءة 2( حليب الديكتاتور)

الحمّى، الإسهال، القيء، المغص الحاد، الغثيان أحيانا... تلك هي أعراض حالة التسمّم... تلك أعراض حالتنا... لأننا جميعا رضعنا حليب الديكتاتور... البعض رضع بشهية مفتوحة، لأنه لا يعاف حتى الصديد و القيح... البعض رضع على مضض ... والبعض رضع و تقيأ ... والقلّة القليلة التي رفضت تسممّت برائحة العفن الذي كان يعمّ المكان.. تلك حالتنا اذن: حمّى " ثورية".. إسهال سياسي، قيء إعلامي، مغص اقتصادي حاد، و غثيان ثقافي...

وأنا أحاول متابعة ما حدث ويحدث سأبدو يائسا أحيانا... ولكنّ ذلك لن يستمرّ طويلا... سأشفى قريبا ، أقول لنفسي.. سنشفى قريبا.

الحمّى

أحاول ان أكون متفائلا: يرفع الجسم درجة حرارته دفاعا عن نفسه في حالة إصابة جرثومية مثلا... يفعل ذلك ليقضي على الميكروبات التي لا تستطيع أن تعيش أو تتكاثر في درجة حرارة تفوق درجة حرارة الجسم الطبيعية ... فالحمّى تعني أنّ الجسم يقاوم ...

من الطبيعي اذن أن تنقلب اللامبالاة بالشأن العام والفتور إلى حماسة... انّها الحمّى: إضرابات مطلبية وسياسية، اعتصامات بالجملة،خطب، تحاليل... حتّى الذين لم يفتحوا أفواههم سابقا إلاّ ليطلبوا منّا السكوت قتلونا بصراخهم... إنها مجرّد حمّى.

ولكن ما يثير القلق فعلا هو الهذيان، الهذيان يقترن بالحمّى إذ تشتدّ... وحينها لن يكون من الممكن معالجة الأمر بمضمدات الماء البارد ... الهذيان يعني فهما مقلوبا للحرية... الهذيان يعني الفوضى و الهمجية

الإسهال السياسي

صدقا أنا لا أعرف عدد الأحزاب السياسية في تونس اليوم ولا حاجة لي بمعرفة العدد... المهمّ أنها كثيرة.. أكثر مما ينبعي ... خمسون حزبا أو ستّون...لا فرق.

عمليا لم يتغير أي شيء.. أو لم يتغيّر أي شيء إلى حد الآن.

عمليا لا اثر و لا تأثير للأحزاب السياسية الجديدة التي نبتت كالفطر.

في جلّ المدن لا اثر لأحزابنا السياسية الكثيرة ، فما بالك بالأرياف ؟ اللاعبون السياسيون الحقيقيون في الريف مثلا هم التجمعيّون... مازالوا يمتلكون من النفوذ المالي و الرمزي ما يتيح لهم الهيمنة وفرض قراراتهم ولا شك أن تأثيرهم سيكون كبيرا في أي عملية سياسية مقبلة...

و لا تأثير لنشاط أغلب الأحزاب، باستثناء أنها تشكلت. و اعني التأثير المفترض لأي حزب سياسي مهما كان حجمه، باعتباره جزء من نسيج مدني، هذا الاعتبار الذي يحتّم عليه المشاركة الفعلية في معالجة ما يطرأ من مشاكل في البلاد.

ما مدى مساهمة الأحزاب السياسية في معالجة ما حدث و يحدث في المتلوي مثلا؟

أحزابنا ليست معنية بالأرياف، أحزابنا ليست معنية بالمدن الداخلية، أحزابنا ليست معنية بما يحصل في الأحياء الفقيرة في العاصمة، أحزابنا ليست معنية بما يحصل في شارع الحبيب بورقيبة، أحزابنا ليست معنية بما يحصل في أروقة البنايات التي توجد فيها مقراتهم، أحزابنا ليست معنية بما قد يحصل في بهو مقراتهم.. احزابنا... المهمّ أنها كثيرة.. أكثر مما ينبعي ... ستون حزبا او سبعون...لا فرق، انه مجرد إسهال...

ولكن ما يثير القلق هو أن يستمر الإسهال و الإسهال يعني أن الجسم لا يمتص الغذاء و لا يمتص الماء بشكل طبيعي ، استمرار الإسهال يعني الموت، فما بالك حين يكون الجسم المصاب بالإسهال جسما ضعيفا منهكا؟

هل نمتلك من الأفراد المتمتعين بكفاءات سياسية ما يسمح بتوزيعهم على ستين أو سبعين حزبا؟؟؟ استسهال العمل السياسي إلى هذا الحد يعني العقم؟

القيء الإعلامي

ارحمهم ولا تؤمن بهم.

ارحمهم ولا تؤمن بهم.

ارحمهم و لا تؤمن بهم.

الذين رضعوا حليب الديكتاتور بشهية مفتوحة لأنهم لا يعافون الصديد و القيح ثم وضعوا أصابعهم في حلوقهم وتقيؤا عنوة أمام الكاميرا.. أمامنا... وبوقاحتهم المعهودة انقلبوا... الذين كانوا يمجدون بصلف وغباء بن علي و حرمه وانجازاته ثم أصبحوا يسبّون بن علي و حرمه وانجازاته... الذين يمتلكون من الوضاعة و الانتهازية والحمق ما يجعلهم يعتقدون أنهم يولدون من جديد حين يعترفون: " غلطنا بن علي" دون أن ينتبهوا إلى أنهم بذلك يعترفون بمدى تغلغله فيهم، لا باعتباره شخصا بل باعتباره رمزا للفساد والانتهازية و الغباء... هو أيضا حاول ذلك قبلهم، هو أيضا اعترف: "غلطوني".

بقطع النظر عن هؤلاء، يظل المشهد قاتما. الشيطان يكمن في التفاصيل.

المغص الاقتصادي الحاد

بداية من جانفي و إلى حد الآن تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 12 بالمائة مقارنة بنفس الفترة من سنة 2010 و تراجع النشاط السياحي بنسبة 45 إلى 50 بالمائة و تراجع قطاع المناجم و الفسفاط بنسبة تفوق 53 بالمائة و تقلص احتياطي البلاد من العملة الصعبة و تخسر البلاد 7 آلاف موطن شغل شهريا... أما نسبة النمو المأمولة خلال هذه السنة فستتراوح بين 0 و 1.5 بالمائة كما تفاقم حجم الديون الخارجية لتونس ليبلغ حوالي 16 مليار دينار. انه مجرد مغص وسيزول لو أننا تحملناه قليلا... بعض الشاي الساخن بالليمون يساعد على ذلك . المهم ان نتجنب المسكنات .

ما يثير القلق حين تناول المسكنات هو ان تكون الجرعة غير مناسبة... أن تكون الجرعة قاتلة.

الغثيان الثقافي

الركود مستمر... باستثناء بعض البيانات السياسية التي يصر أصحابها على أنها قصائد.. لا شيء جديد. النمطية قاتلة. على الأصوات التي كانت تغني خارج السرب أن تبحث عن سربها لكي يتغير الأمر.

إبدال المشهد الثقافي يحتاج إلى مؤسسة.